النويري
535
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا ، أقيموا معنا حتّى نتهيأ فإذا سار عدوّنا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا فقاتلناه . وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخى إن أقاموا ، وقال إبراهيم مثل ذلك ، فقال سليمان قد محضتما النصيحة واجتهدتما في المشورة فنحن باللَّه وله ، ونسأله العزيمة على الرشد ، ولا نرانا إلَّا سائرين ، فقال عبد اللَّه : فأقيموا حتّى نعبّئ معكم جيشا كثيرا ، فتلقوا عدوّكم بجمع كثيف ، وكان قد بلغهم إقبال عبيد اللَّه بن زياد من الشام في الجنود . فلم يقم سليمان ، وسار عشيّة الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين ، فتخلَّف عنه ناس كثير ، فقال ما أحبّ من تخلف منكم معكم ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلَّا خبالا إن اللَّه كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك . ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين ، فصاحوا صيحة واحدة ، وبكوا بكاء شديدا ، وترحموا عليه ، وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه ، وأقاموا عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون . ثم ساروا وقد ازدادوا حنقا ، وأخذوا صوب الأنبار ، وساروا حتّى أتوا قرقسيا على تعبئة ، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها عند فراره من وقعة مرج راهط ، على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى في أخبار مروان بن الحكم . فبعث إليه سليمان ، وعرّفه ما هو وأصحابه عليه من قصد بن زياد ، فبعث إليهم بجزور ودقيق وعلف ، وخرج إليهم وشيعهم وعرض عليهم أن يقيموا عنده بقرقيسيا ، وقال : ابن زياد في